فخر الدين الرازي
214
تفسير الرازي
واعلم أن قوله * ( جنّات تجري من تحتها الأنهار ) * وصف لطيب الجنّة ودخل تحته جميع النعم الموجودة فيها من المطعم والمشرب والملبس والمفرش والمنظر ، وبالجملة فالجنة مشتملة على جميع المطالب ، كما قال تعالى : * ( فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ) * ( الزخرف : 71 ) . ثم قال : * ( خالدين فيها ) * والمراد كون تلك النعم دائمة . ثم قال : * ( وأزواج مطهرة ورضوان من الله ) * وقد ذكرنا لطائفها عند قوله تعالى في سورة البقرة : * ( ولهم فيها أزواج مطهرة ) * ( البقرة : 25 ) وتحقيق القول فيه أن النعمة وإن عظمت فلن تتكامل إلا بالأزواج اللواتي لا يحصل الأنس إلا بهن ، ثم وصف الأزواج بصفة واحدة جامعة لكل مطلوب ، فقال * ( مطهرة ) * ويدخل في ذلك : الطهارة من الحيض والنفاس وسائر الأحوال التي تظهر عن النساء في الدنيا مما ينفر عنه الطبع ، ويدخل فيه كونهن مطهرات من الأخلاق الذميمة ومن القبح وتشويه الخلقة ، ويدخل فيه كونهن مطهرات من سوء العشرة . ثم قال تعالى : * ( ورضوان من الله ) * وفيه مسألتان : المسألة الأولى : قرأ عاصم * ( ورضوان ) * بضم الراء ، والباقون بكسرها ، أما الضم فهو لغة قيس وتميم ، وقال الفرّاء : يقال رضيت رضا ورضوانا ، ومثل الراضون بالكسر الحرمان والقربان وبالضم الطغيان والرجحان والكفران والشكران . المسألة الثانية : قال المتكلمون : الثواب له ركنان أحدهما : المنفعة ، وهي التي ذكرناها ، والثاني : التعظيم ، وهو المراد بالرضوان ، وذلك لأن معرفة أهل الجنة مع هذا النعيم المقيم بأنه تعالى راض عنهم ، حامد لهم ، مثن عليهم ، أزيد في إيجاب السرور من تلك المنافع ، وأما الحكماء فإنهم قالوا : الجنّات بما فيها إشارة إلى الجنة الجسمانية ، والرضوان فهو إشارة إلى الجنة الروحانية وأعلى المقامات إنما هو الجنة الروحانية ، وهو عبارة عن تجلي نور جلال الله تعالى في روح العبد واستغراق العبد في معرفته ، ثم يصير في أول هذه المقامات راضياً عن الله تعالى ، وفي آخرها مرضياً عند الله تعالى ، والله الإشارة بقوله * ( راضية مرضية ) * ( الفجر : 28 ) ونظير هذه الآية قوله تعالى : * ( وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنّات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنّات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم ) * ( التوبة : 72 ) . ثم قال : * ( والله بصير بالعباد ) * أي عالم بمصالحهم ، فيجب أن يرضوا لأنفسهم ما اختاره لهم من نعيم الآخرة ، وأن يزهدوا فيما زهدهم فيه من أمور الدنيا .